الخبر من حضرموت إلى العالم
منصة للخبر والرأي والذاكرة والمحتوى المرئي
شركة بنود
عاجل
● مباشر
العودة للرئيسية

محاكاة تحليلية ،تُسقط دروس الماضي وتجاربه التاريخيه

سيناريو السيطرة على حضرموت: المخاطر الجيوستراتيجية والإرث التاريخي في جنوب الجزيرة العربية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تتجه الأنظار نحو جنوب الجزيرة العربية كواحدة من أكثر المناطق تعقيداً على الخريطة الجيوسياسية، حيث لا يُعد الصراع فيها مجرد نزاع محلي على السلطة، بل تحولاً استراتيجياً يحمل أبعاداً تاريخية وأيدولوجية تؤثر بشكل مباشر على الأمن القومي العربي والخليجي. وتأتي محافظة حضرموت في قلب هذا التحول؛ بالنظر إلى مساحتها الشاسعة وثرواتها النفطية والمعدنية المخبأة في أراضيها، وموقعها الرابط بين البحر العربي والحدود الجنوبية لكل من المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان.
إن القراءة الفاحصة لسيناريو سيطرة المجلس الانتقالي الفردية أو الفصائل المسلحة الجنوبية على حضرموت، تستدعي تفكيك جذور هذا الصراع، والعودة إلى الإرث التاريخي لطبيعة الحكم في الجنوب، للوقوف على أبعاد الخطر الداخلي والإقليمي الذي قد ينجم عن امتداد هذه السيطرة.
أولاً: جذور الإرث السياسي.. بين العقلية الشمولية ومنطق الغنيمة
لتفهم الممارسات والتوجهات السياسية الراهنة، لا بد من العودة إلى الجذور التشكلية للتيارات الانفصالية في الجنوب. فبالرغم من تبني الجيل الأول شعارات الماركسية والاشتراكية عقب خروج الاستعمار البريطاني وتسليم السلطة للجبهة القومية عام 1967، إلا أن ممارسة الحكم ميدانياً اعتمدت على أدوات شمولية متشددة:
سياسات التأميم والمصادرة: اتسمت مرحلة الحكم الشمولي بمحاربة النشاط الاقتصادي الحر، وفرض سياسات التأميم القسري للممتلكات والتجارة. تلك السياسات تسببت في ضرب البيئة الاستثمارية، ودَفعت كبار التجار ورجال الأعمال — ولا سيما الحضارمة — إلى الهجرة الجماعية نحو دول الخليج العربي، حيث ساهموا بفاعلية في نهضتها الاقتصادية في بيئة تحترم رأس المال والقانون.
إقصاء الآخر وإدارة الصراع العنيف: لم تكن الأيدولوجية المستوردة سوى غطاء لتنافس مناطقي داخلي، تجلى في الصراعات الدموية المتعاقبة بين فصائل الحكم (وكان أبرزها أحداث يناير 1986). هذه العقلية المسكونة بثقافة الغزو وفرض السيطرة بقوة السلاح لا تزال تتردد صداها في أداء المليشيات المعاصرة، التي تتعامل مع مؤسسات الدولة ومواردها بمنطق الغنيمة واقتصاد الحرب بدلاً من البناء المؤسسي.
ثانياً: الخصوصية الحضرمية وتحديات الهوية الاقتصادية
تُمثّل حضرموت عمق اليمن الاقتصادي والجغرافي، حيث تحتضن الجزء الأكبر من الثروات النفطية والمعدنية، وتتمتع بثقافة مجتمعية قائمة على الاستقرار والتعايش والتجارة المفتوحة

الاستقلال المالي للفصائل: إن تمكين فصيل مسلح يتشكل من خلفيات شمولية من السيطرة على حقول النفط والموانئ الحيوية في حضرموت يمنحه استقلالية مالية ضخمة، مما يقطع الطريق أمام أي تسوية سياسية شاملة، ويُعزز رغبته في التمدد وفرض إرادته بعيداً عن الشرعية والقوانين الدولية.
الصدام مع النسيج المحلي: يرفض المجتمع الحضرمي تاريخياً نماذج الحكم القائمة على الهيمنة المركزية والمناطقية. وبالتالي، فإن فرض مشروع سياسي بالقوة العسكرية سيفجر صراعاً داخلياً (جنوبياً – جنوبياً) يهدد بتحويل المحافظة النفطية إلى ساحة استنزاف جديدة.
ثالثاً: التهديد المباشر للأمن القومي الخليجي والإقليمي
لا تقتصر آثار هذا السيناريو على الحدود اليمنية، بل تمتد لتضرب عمق التوازنات الأمنية في جنوب الجزيرة العربية:
1. القطيعة التاريخية والتحالفات المشبوهة: شهدت الحقبة الاشتراكية في الجنوب عداءً صريحاً وتوترات عسكرية متكررة مع المحيط الخليجي، لا سيما مع السعودية وسلطنة عمان. إن إعادة إنتاج هذا النموذج يفتح الباب مجدداً أمام استقطاب القوى الإقليمية المعادية، وإقامة تحالفات براغماتية مع أطراف تسعى لزعزعة استقرار المنطقة لضمان بقاء هذه الكيانات المسلحة.
2. انكشاف الحدود والممرات المائية: تمتد حضرموت إلى الحدود المباشرة لدول الجوار وتطل على البحر العربي بالقرب من خليج عدن وباب المندب. إن غياب دولة مؤسسية ذات سيادة وإحلال سلطة مليشيات محلها يجعل خطوط نقل النفط والتجارة العالمية المارة عبر هذه الممرات عرضة للابتزاز السياسي والمخاطر الأمنية.
3. توفير البيئة الخصبة للإرهاب: يُنتج الصراع على الموارد والمحافظات الشرقية فراغاً أمنياً وتفككاً للسلطة المحلية، وهو المناخ المثالي الذي يستغله “تنظيم القاعدة في جزيرة العرب” وتنظيمات العنف لإعادة تنظيم صفوفها والسيطرة على المناطق النائية.
رابعاً: شرعنة الانقسام وتفتيت الدولة
يؤدي فرض أمر واقع في الجنوب بالقوة المسلحة إلى تداعي ما تبقى من هيكل الدولة الوطنية:
مكافأة المشروع الحوثي: إن انفصال الجنوب اليمني عن شماله مع السيطره على حضرموت ، وتشكيل سلطة منفصلة فيه يُسقط خيار اليمن الاتحادي أو الدولة الجامعة، مما يمنح حركة أنصار الله (الحوثيين) في الشمال الغطاء الكامل لتثبيت أركان دولتهم الخاصة واستفادة كاملة من خيار التقسيم، ليصبح الخليج العربي محاطاً ببؤرتين غير مستقرتين على حدوده الجنوبية.
انهيار المنظومة الاقتصادية والإنسانية: يتسبب الصراع على الموارد في تدمير العملة، وتوقف الخدمات الأساسية، وتعميق الأزمة الإنسانية، مما يُحمل المجتمع الدولي والإقليمي أعباء إغاثية واقتصادية مضاعفة.
إن قراءة سيناريو سيطرة الجماعات المسلحة ذات الإرث الشمولي على حضرموت تؤكد أن المشكلة لا تكمن في مطالب المطالبين بالانفصال كحق سياسي، بل في العقلية والأدوات المستخدمة للوصول إلى هذا الهدف. إن الاعتماد على ثقافة السيطرة، والمصادرة، واقتصاد الحرب، يُعيد إنتاج تجارب مأساوية أثبت التاريخ فشلها.
ولحماية أمن جنوب الجزيرة العربية، يظل الرهان الاستراتيجي القائم هو تمكين أبناء المناطق الغنية بالثروات — وفي مقدمتها حضرموت — من إدارة شؤونهم في إطار مؤسسي يضمن سيادة القانون، ويحافظ على اقتصاد السوق الحر، ويحمي الحدود الإقليمية والممرات المائية من الفوضى والارتهان للأجندات الخارجية.

ففي علم السياسة والدراسات الاستراتيجية، لا يُعدّ استحضار التاريخ مجرد اجترار للماضي، بل يُستخدم كـ “نموذج مفسّر” (Explanatory Model) لتوقع السلوك السياسي والاجتماعي للكيانات والحركات المسلحة عندما تتاح لها نفس الظروف أو الأدوات.
تتلخص طبيعة هذه المحاكاة التاريخية في النقاط التالية:
1. الاستعانة بـ “الذاكرة المؤسسية والأيدولوجية”
عندما يدرس المحللون أي فصيل سياسي أو عسكري، فإنهم ينظرون إلى الجذور الثقافية والتنظيمية التي تشكّل منها. في حالة الجنوب اليمني، يعتمد السيناريو على أن أدوات الحوكمة، وثقافة إدارة الصراع، وطريقة التعامل مع الممتلكات والثروات لدى التيارات الراديكالية غالباً ما تتكرر إذا لم يحدث تحول مؤسسي وثقافي حقيقي يُغير تلك النماذج الذهنية.
2. محاكاة “عقلية المليشيا” أمام الثروة
التاريخ السياسي للمنطقة وللعالم يوضح أن الانتقال من صفة “الفصيل المسلح” إلى “السلطة الحاكمة” عبر القوة العسكرية ينطوي على مخاطر بنيوية؛ حيث تُمارس السلطة بعقلية الغزوة والغنيمة واقتصاد الحرب بدلاً من عقلية الدولة والمؤسسات وقانون السوق الحر. السيطرة على جغرافيا غنية كحضرموت دون غطاء مؤسسي جامع تحاكي تجارب سابقة تحولت فيها الثروة إلى وقود لإطالة أمد الصراع بدلاً من التنمية.
3. اختبار التوازنات الإقليمية (امتداد الصدمات)
تعتمد المحاكاة على قياس ردود الفعل المتوقعة للمحيط الجغرافي (دول الخليج العربي)؛ فالتاريخ يُثبت أن أي اضطراب أمني أو وجود كيانات غير مستقرة على الحدود الجنوبية للسعودية وعمان يؤدي فوراً إلى تفعيل “الدفاع عن الأمن القومي”. وبالتالي، فإن السيطرة بالقوة تُحاكي سيناريو عزلة سياسية وتوتر أمني يشبه ما شهدته عقود سبقت الوحدة اليمنية.
هل المستقبل مجهول بالكامل؟
على الرغم من قوة هذه المحاكاة المستندة للتاريخ، إلا أن المستقبل يظل مفتوحاً على عدة متغیرات قد تُغير المخرجات:
تغير طبيعة الأجيال: جيل اليوم في الجنوب يختلف في طموحاته وانفتاحه الاقتصادي عن جيل الستينات والسبعينات.
المراقبة والإشراف الإقليمي والدولي: النفوذ الإقليمي والدولي اليوم أكثر قدرة على ضبط حركة الفصائل ومنع التجاوزات الكبرى مقارنة بظروف الحرب الباردة.
وعي القوى المحلية:
الخصوصية الحضرمية أصبحت أكثر قدرة على فرض شروطها وتنظيم نفسها سياسياً لمنع قدرة الاخرين على تنفيذ مخططاتهم، ولكن تحتاج لأدوات حمايه لمشروعها الا وهي القوة العسكريه الرادعه، فإن لم تحصل على ذلك ستكون معرضه للمخاطر المستدامه فالستون عاماً التي مضت على حضرموت يجب ان تكون درساً غير قابل للتكرار.

الخلاصة: هذا السيناريو ليس تنبؤاً حتمياً بقدر ما هو قراءة تحذيرية قائمة على قياس الغائب على الشاهد؛ يُسلط الضوء على المخاطر الكامنة في حال تكرار أخطاء الماضي بنفس الأساليب والعقليات.

أرشيف الكاتب